الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : أجازة للاقارب مشروع قانون جديد !!!!

في قاموس الأعذار السخيفة، هناك صفحة ذهبية مخصصة لعباقرة التهرب من العمل، وأحد أشهر أعذارهم: " أقربائي عندي في زيارة، لازم آخد إجازة!" وكأن الحياة المهنية متوقفة على عدد الضيوف في المنزل، وكأن الوظيفة مجرد نشاط ترفيهي يمكن تأجيله حتى يغادر الأقارب!
تخيل نفسك في وظيفة لا تعرف الهزار أو الغياب
الآن، فلنتخيل معًا أنك تعمل في صحيفة يومية أو موقع إخباري إلكتروني، حيث تتدفق الأخبار على مدار الساعة، وتتطلب السرعة في النشر والمتابعة المستمرة.
هل يمكنك ببساطة إخبار رئيس التحرير: "أنا آسف، لن أستطيع تغطية الأخبار اليوم لأن خالي زارني!"؟ الصحافة لا تنتظر أحدًا، والتأخير يعني التأثير على سمعة الجريدة او الموقع الالكترونى فى ظل عصر المنافسة مما يؤدى الى فقدان الثقة بين القراء والمعلنين على حد سواء.
والأمر لا يقتصر على الصحافة، بل تخيل أنك تعمل في بنك مسؤول عن الرد على العملاء، أو في خدمة الطوارئ بالسكة الحديد، أو المطافي، أو الإسعاف. هل يمكن لرجل الإطفاء أن يرفض الذهاب إلى حريق لأنه لديه ضيوف في المنزل؟ هل يمكن لموظف الطوارئ في السكة الحديد أن يترك قطارًا متعطلًا لأن ابن خالته وصل فجأة ؟ ماذا عن المسعف الذي يُفترض أن ينقذ حياة شخص في خطر، لكنه قرر الغياب بسبب واجب الضيافة؟ هل يمكن لاحد العاملين بأقسام الشرطة أن يعتذر فى نابطشيتة: "لإنة ، مشغول بتقديم الشاي والقهوة للاقارب!"
أعذار واهية وعقلية مستهترة
لنتوقف لحظة ونسأل: متى أصبح وجود الأقارب سببًا لتعطيل الإنتاج والعمل؟ هل هذه حجة مقبولة في أي مكان محترم؟ تخيل أن يتوقف طبيب عن عمله لأن خاله زاره فجأة! أو أن يؤجل مهندس صيانة محطة كهرباء لأن ابن عمته جاء من السفر! أي منطق هذا؟
العمل ليس مائدة طعام عائلية!
إذا كنت تعتقد أن المكتب امتداد لغرفة المعيشة، وأن المدير هو مجرد كبير العائلة الذي يمكن إقناعه بسهولة بتأجيل مهامك حتى يودّع الأقارب منزلك ! فأنت واهم، العمل التزام ومسؤولية، وليس مجرد محطة استراحة بين المناسبات العائلية.
هل تعمل أم تمارس طقوس الضيافة؟!
هل تعتقد أن الشركة التي تعمل بها هي بيت العائلة الكبير؟ هل تنتظر أن يضع لك المدير طبق الحلويات ويقول لك: "اتفضل، خدلك شوية راحة طالما عندك ضيوف"؟! يا أخي، العمل ليس جلسة سمر، ولا أحد يهتم إن كان ابن عمتك أو ابن خالك جاء ليزورك، فهذا شأنك أنت وحدك،وليس سببًا لتعطيل مصالح الناس.
رسالة شديدة اللهجة إلى محترفي الأعذار
العمل ليس مزحة، وليس لعبة يمكن أن توقفها عندما يحلو لك، المسؤولية لا تتجزأ، ولا تتعطل بسبب طقوس استقبال الضيوف، والنجاح لا يعرف التهاون، وإن كنت تعتقد أن التهرب سيجعلك تتقدم، فستظل في مكانك بينما يتجاوزك الجادّون، لا أحد يهتم بزياراتك العائلية، لكن الجميع سيتذكر أنك شخص غير مسؤول لا يمكن الاعتماد عليه.
كفى سخافة ودلعًا!
من يظن أن الحياة العملية تتحمل هذا الكم من الأعذار السخيفة، فهو يعيش في عالم خيالي، احترم عملك، احترم زملاءك، وكن على قدر المسؤولية، لأن الحقيقة البسيطة هي: العمل لا ينتظر زيارات الأقارب، لكنه بالتأكيد يلفظ أصحاب الأعذار الواهية!
المرتب هيزيد أمتى؟ المكافأة أمتى ؟
الهاجس الأكبر عند معظم العاملين في مصر أصبح ليس تحسين الأداء أو الإنجاز في العمل، بل السؤال التقليدي الذي يتردد على الألسنة في كل مكان: متى هيزيد المرتب؟، متى هنحصل على المكافأة؟، ومتى العلاوة هتيجي؟ وكأن الوظيفة تمثل مجرد ورقة لزيادة الأرقام في الحساب الشخصى ، وليس مسؤولية حقيقية تتطلب الالتزام والتفاني.
تخيلوا معي مشهدًا في مكتب: الموظف يدخل بكل حماسة، لا يفتح الجهاز ولا يركز في عمله، فقط يسأل زملاءه: "إيه، في أخبار عن العلاوة؟"، وكأن العمل هو وسيلة له للحصول على هدايا مجانية، لا علاقة له بالكفاءة أو المهارة.
الكسل على طريقة "خليها على الله"
هؤلاء الموظفون لم يتربوا على تحمل المسؤولية، بل على الفهلوة والكسل، عملهم الحقيقي يبدأ فقط عندما يسحبون الوقت في البحث عن الإجابة الوحيدة التي تشغل بالهم: "هل العلاوة اقرت؟"، بل ويصل الأمر أحيانًا إلى أنهم يتخيلون أن المسئولية هي مجرد "رشة" على رأسهم مقابل حضورهم الخجول، بينما بقية الزملاء يعملون ويتحملون العبء.
تخيلوا لو كانوا يعملون في مستشفى أو في قطاع حيوي مثل الإسعاف أو المطافي. هل سيشعرون بنفس اللامبالاة إذا كان الشخص الذي ينتظرهم في غرفة العمليات أو في حادث خطير يحتاج إلى تدخل فوري؟ بالطبع لا! لأن العمل في تلك المجالات لا يعرف التراخي، ولا الأعذار السخيفة لكن نجد أن السؤال الأهم هو: "إيه أخبار العلاوة؟" أما المسؤولية، فمؤجلة حتى إشعار آخر.
وظيفتك مش "طاولة عشاء"
في النهاية، إذا كنت تعتبر العمل مجرد طاولة عشاء يتم عليها توزيع المكافآت والعلاوات من دون أي بذل جهد حقيقي، فأنت في المكان الخطأ. لا أحد سيتحمل تراخيك هذا إلى الأبد، لأن الحياة العملية، خاصة في بيئات العمل الشاقة، لا تتوقف عند الأسئلة عن المكافآت، بل تُقاس بمدى قدرتك على تقديم شيء ملموس وفائدة حقيقية للمؤسسة التى تعمل بها، العمل ليس حفلة انتظار، بل هو التزام وتفانٍ.
ما العمل؟
إذا كنت متأهبًا لكل زيادة تأتي من العدم دون أن تقدم أي شيء يعكس جهدك، فتأكد أن العالم حولك سيتغير، المهارات والإنجازات ترفعك، بينما التراخي والكسل سيجعلانك في أسفل سلم النجاح، عيشوا بجد، أو دعونا نترك لكم العشاء والعلاوة!
"مشروع قانون جديد: إجازات رسمية لزيارة الأقارب مع وجبات غذائية!"
إذا كنت من هؤلاء الموظفين الذين يعتقدون أن الحياة العملية لا تسير إلا بتعدد الإجازات العائلية، فلا بد أنك ستحلم في يوم من الأيام بمشروع قانون ثوري، ربما يكون الحل الوحيد لإنقاذ "حياتك المهنية"،ونحن في ظل قرب الانتخابات البرلمانية المقبلة، من الممكن أن نرى نواب الشعب يتحفوننا بمشروع قانون جديد، موجه خصيصًا لراحة هؤلاء العقول الفذة!
إجازة للأم والأب والجدة بسبعة أيام؟ لماذا لا!
في هذا المشروع الخارق، سنحصل جميعًا على إجازات رسمية عند زيارة الأقارب، وهنا تأتي المرحلة الأكثر إثارة: سبعة أيام إجازة للأم والأب والجدة! نعم، سبعة أيام كاملة، مع صرف وجبات غذائية مُستحقة، وأنت بدورك تستطيع الانغماس في الراحة الكاملة بعيدًا عن أعباء العمل، أما الأشقاء؟ فلا مشكلة! أربعة أيام إجازة، مع وجبات غذائية تكفي الأسرة بأكملها، وكأنهم في رحلة سياحية خاصة.
بقية الفئات؟ يومين كرامة على حساب المؤسسة!
أما بالنسبة لبقية الفئات مثل الأعمام والعمات وابن الخال وابن الخالة أو أي شخص آخر، فيكفيهم يومين من الإجازات السخية مع "وجبات غذائية" حسب العدد، بالطبع، وتصبح المؤسسة أو الجريدة أو الشركة هي المسؤولة عن " توفير الراحة " لهم بينما يواصلون "بذل الجهد" في منازلهم لزيارة من يهمهم من الأقارب.
العمل؟ مجرد تفاصيل!
وبينما تعيش هذه الطبقة في أحلام الوجبات والإجازات الممنوحة، نذكرهم بأن العمل في النهاية ليس حفلة إجازات مستمرة! لكن لا بأس، أعتقد أننا بحاجة إلى "إجازات رسمية" لكل مناسبة عائلية محتملة، لعلنا نوفر فرصًا أكبر لهؤلاء الموظفين ليفكروا في كيفية تقديم شيء مفيد في عملهم، بدلاً من التفكير في كيفية تحويل كل زيارة عائلية إلى مناسبة للاسترخاء والتعويض.