النائب أحمد قورة يكتب :عيد الفطر االمبارك في غزة وسط نيران الاحتلال

عندما يأتي عيد الفطر على الأمة الإسلامية، تتلألأ مدن العالم الإسلامي بأضواء الفرح وتزهر البيوت بالتهاني والأفراح، ولكن هناك مكانٌ واحدٌ، لا يعرف للعيد طعماً، ولا للفرحة عنواناً، هناك، حيث تُكتب أحلام الطفولة في رائحة البارود ويُدفن الحلم تحت أنقاض منازل مدمرة، هنا في غزة، العيد يأتي بثقل الجراح، يأتي ومعه آلام أكثر من فرحة.
في غزة، الأطفال لا ينتظرون ملابس جديدة ولا ألعاباً في هذا العيد، فهم يعرفون جيداً أن "العيد" هناك يعني أن يبحثوا عن طمأنينة في ظل حرب لا ترحم، وعن بيت تهدم ودمر بصواريخ الاحتلال، كيف يمكن لطفل أن يبتسم وهو يستيقظ على صوت القذائف بدلاً من تهاني العيد؟ كيف لأم أن تفرح في يوم مبارك بينما تحمل بين ذراعيها طفلها الشهيد؟
أعيادٌ بدون أمل
عيد الفطر في غزة ليس كما يعرفه العالم، فالأسر المحاصرة بالكاد تجد ما يسد رمقها في أيام العادية، فكيف يكون الحال في يوم العيد؟ هل تستطيع الأسر هنا شراء ملابس جديدة لأطفالها؟ بل السؤال الأهم: هل سيبقى هناك أطفال أصلاً ليحتفلوا بهذا العيد؟ هل يمكن لأسرة فقدت بيتها تحت القصف أن تفكر في بسكويت العيد أو حلوى الكعك؟
بينما نحن ننشغل بتحضير الطعام وترتيب المنازل وتجهيز الهدايا، يعيش أهل غزة مشهداً مختلفاً تماماً،هناك، تتسلل الأمهات ليلاً إلى أطفالهن، ليس لتقبيلهم وتهنئتهم بالعيد، بل لتفقدهم ومعرفة إن كانوا ما زالوا على قيد الحياة.
في غزة، الأمهات يحترقن مع كل صوت قنبلة، ينظرن حولهن إلى الركام ويتساءلن إن كانت بيوتهن ستظل قائمة في نهاية اليوم.
في مكان آخر من العالم، تقف الأسر في صفوف أمام محلات الحلوى لشراء الحلوى، أما في غزة، فإن طوابير الأسر تنتظر رغيف خبزوكوب من الماء إن وجد ، لقد تحولت غزة إلى مدينة أشباح، لا أضواء للعيد ولا صوت زينة، بل صراخ وعويل، وأنين يصعد إلى السماء مع دعوات الأمهات الثكالى والآباء الذين يرون أطفالهم يُقتلون أمام أعينهم.
الحرب بدلاً من الفرح
كيف يمكن لأطفال غزة أن يعرفوا معنى العيد وهم يكبرون وسط أصوات القصف وصور الدمار؟ في كل عيد، يسأل الأطفال في كل مكان عن ألعاب وهدايا، بينما يسأل أطفال غزة: "هل سنعيش حتى نحتفل بالعيد القادم؟" هؤلاء الصغار، الذين كان يجب أن يمتلئ يومهم بالضحك واللعب، أصبح يومهم مليئاً بالخوف والرعب، أطفال غزة لا يعرفون ما هو العيد، يعرفون فقط ما هو الموت.
أمهات غزة لا تحضرن كعك العيد ولا تزينن البيوت بعد إن هدمت على يد قوات الاحتلال الاسرائيلى في هذا العيد، يجلسن في زوايا منازلهن المهدمة، يحضن صور أطفالهن الشهداء، يسألن الله الرحمة والقوة، بينما تغطي الدموع وجوههن، هذه هي الحقيقة المريرة لنساء غزة في عيد الفطر، أما الشيوخ، فهؤلاء الذين عاشوا سنوات طوالاً يشهدون أعياداً سعيدة في الماضي، باتوا اليوم يصلون صلاة العيد وسط الدمار، يصلون من أجل أن يبقى لهم ما يصلون من أجله.
غزة.. مدينة في ظل الموت
المشهد في غزة لا يشبه أي مكان آخر في العالم. الجوامع التي كانت تكتظ بالمصلين في صباحات العيد، أصبحت مهدمة مدمرة بالقصف، والأطفال الذين كانوا يرتدون ملابس العيد للذهاب للصلاة، يركضون الآن بحثاً عن ملجأ يقيهم من القنابل، الشوارع التي كانت تزينها الفوانيس والزينة، أصبحت مليئة بالركام والجثث.
كيف يحتفل أهل غزة بالعيد؟ لا عيد هنا، بل أمل في النجاة، وخوف من أن يكون هذا اليوم آخر أيامهم،الاحتلال الإسرائيلي يواصل قصفه دون رحمة، يهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، ويمنع عنهم كل سبل الحياة، حتى الكهرباء والمياه مقطوعة عن كافة مناطق القطاع، ولا أمل في استعادة شيء من الحياة الطبيعية.
العدوان الإسرائيلي بمباركة ترامب
كل هذا يحدث تحت أنظار العالم، وبدعم غير محدود من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذى لم يكتفى بالصمت، بل منح الضوء الأخضر للاحتلال الإسرائيلي لمواصلة عدوانه، ولتنفيذ خطط التهجير القسري ضد أهالي قطاع غزة، هذا الدعم الأمريكي المفتوح حول حياة أهل غزة إلى جحيم دائم، ودفع الاحتلال إلى مواصلة تدمير كل مظاهر الحياة في القطاع.
أين العالم من هذه المأساة؟ أين الأصوات التي تتغنى بحقوق الإنسان؟ أطفال غزة يموتون كل يوم، والأمهات يفقدن فلذات أكبادهن، والشيوخ يبكون على ما تبقى من وطنهم، ومع ذلك، يستمر الصمت الدولي، وتستمر المذابح دون توقف.
نداء لحكام العرب
في هذا العيد، أتوجه إلى حكام العرب، أولئك الذين يحتفلون في قصورهم بالعيد، وأدعوهم إلى أن ينظروا بأعينهم وقلوبهم إلى أهل غزة، أرجوكم، انظروا إلى هؤلاء الذين حُرمت عنهم فرحة العيد، إلى الأطفال الذين يصلون صلاة العيد وسط الأنقاض، إلى الأمهات اللاتي تبكين على أحبابهن الذين فقدنهم في الحرب.
أدعوكم أن تتوقفوا عن البذخ والاحتفالات الصاخبة، أن تعيشوا لحظة من التضامن الحقيقي مع أهل غزة. هؤلاء الذين يستحقون أن يكون العيد عيداً لهم أيضاً، يستحقون أن يشعروا أن الأمة العربية لا تزال تقف معهم، حتى وإن كان العالم قد تخلى عنهم.
أين الرحمة في أن نحتفل بينما يُقتل الأبرياء؟ أين الإنسانية في أن تضاء شوارع المدن العربية، بينما شوارع غزة مظلمة وخاوية؟ هذا العيد يجب أن يكون رسالة قوية للعالم، رسالة تضامن مع أهل غزة، رسالة ترفض الظلم وتقف في وجه العدوان.
دموع لا تجف
في عيد الفطر هذا العام، غزة لا تعرف الفرحة، بل تعرف الحزن والدموع، أطفالها يبكون بدلاً من أن يضحكوا، وأمهاتها يتضرعن لله بدلًا من أن يزينّ موائد العيد، غزة ستظل رمزاً للصمود، لكنها تحتاج دعمنا ودعواتنا، تذكروا، وأنتم تحتفلون، أن هناك شعباً بأكمله يحتفل بالعيد تحت نيران الاحتلال.
مع ليلة القدر
مع اقتراب ليلة القدر، تلك الليلة المباركة التي وصفها الله عز وجل في كتابه الكريم بأنها "خير من ألف شهر"، أتوجة بالدعوة الى أكثر من 2مليار مسلم على مستوى العالم أن يجعلوا دعائهم فى هذة الليلة العظيمة لاهلنا فى فلسطين وخاصة فى قطاع غزة الذين يعانون الاحتلال الاسرائيلى الوحشى بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى، أن يمنَّ بالفرج والنصر لأهلنا في فلسطين، وخاصة في قطاع غزة، الذين يعيشون تحت وطأة العدوان الإسرائيلي الوحشي المستمر.
في هذه الليلة التي تنزل فيها الملائكة بالرحمات والسلام على الأرض، نرفع أكف الدعاء لله تعالى، بأن يحمي أهل غزة من بطش الاحتلال، وأن يخفف عنهم آلامهم، ويمنحهم الصبر والقوة أمام هذا الظلم، وأن يكون الله لهم عونًا ونصيرًا، وأن يحفظهم من كل سوء ويحقن دماءهم.
اللهم في ليلة القدر، نسألك أن تزلزل كيان الاحتلال الغاشم، وأن ترد كيده في نحره، وأن تفضح المتآمرين عليه وعلى شعب فلسطين من أي جهة كانت، ونسألك يا الله أن ترد كيد من دعم الاحتلال وشجعه على استهداف الأبرياء، سواء كان ذلك دعماً مادياً أو سياسياً.
يا رب، في هذه الليلة التي تُفتح فيها أبواب السماء، لا نملك سوى الدعاء لشعب فلسطين المحاصر، الذي يُحرم من أبسط حقوقه الإنسانية. دعاؤنا في هذه الليلة هو أن يأتي الفرج، وأن ينتصر الحق على الباطل، وأن يتوقف نزيف الدماء.
يا الله، أنصرهم نصراً مؤزراً، وكن لهم سندًا وعونًا، واجعل دعاء المسلمين في هذه الليلة العظيمة يصل إلى السماء، ويُستجاب لكل من ينطق بدعوة نصرة المظلومين والمستضعفين في غزة، آمين يا رب العالمين.
كاتب المقال النائب أحمد عبد السلام قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب وعضو الهيئة البرلمانية لحزب " حماة الوطن "